أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

148

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وسكون التاء ، وكسر الباء مبنيا للمفعول ، ولا بد حينئذ من حذف مضاف أي : اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه . و « ما » يجوز أن تكون بمعنى الذي ، وهو الظاهر لعود الضمير في « منه » عليه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : جزاء إترافهم . : وَكانُوا مُجْرِمِينَ فيه ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون عطفا على « أُتْرِفُوا » إذا جعلنا « ما » مصدرية ، أي اتبعوا أترافهم ، وكونهم مجرمين . والثاني : أنه عطف على « اتَّبَعَ » ، أي : اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك ، لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام . الثالث : أن يكون اعتراضا وحكما عليهم بأنهم قوم مجرمون ، ذكر ذلك الزمخشري . قال الشيخ : « ولا يسمّى هذا اعتراضا في اصطلاح النحو ، لأنه آخر آية ، فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر » . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 117 إلى 119 ] وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) قوله : لِيُهْلِكَ . فيه الوجهان المشهوران ، وهما : زيادة اللام في خبر « كانَ » دلالة على التأكيد ، كما هو رأي الكوفيين ، أو كونها متعلقة بخبر « كانَ » المحذوف ، وهو مذهب البصريين ، و « بِظُلْمٍ » متعلق ب « يهلك » ، والباء سببية ، وجوّز الزمخشري أن تكون حالا من فاعل « لِيُهْلِكَ » . وقوله : وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ جملة حالية . وقوله : إِلَّا مَنْ رَحِمَ . ظاهره أنه متصل ، وهو استثناء من فاعل « يَزالُونَ » ، أو من الضمير في « مُخْتَلِفِينَ » . وجوّز الحوفي أن يكون استثناء منقطعا ، أي : لكن من رحم ، لم يختلفوا ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ، ولذلك في المشار إليه أقوال كثيرة ، أظهرها : أنه الاختلاف المدلول عليه ب « مُخْتَلِفِينَ » ، كقوله : 2753 - إذا نهي السّفيه جرى إليه * وخالف والسّفيه إلى خلاف « 1 » رجع الضمير في « إليه » على « السّفه » المدلول عليه بلفظ السّفيه ، ولا بد من حذف مضاف على هذا ، أي : ولثمرة الاختلاف خلقهم . واللام في الحقيقة للصيرورة ، أي : خلقهم ليصيروا أمرهم إلى الاختلاف . وقيل : المراد به : الرّحمة المدلول عليها بقوله : « رَحِمَ » ، وإنما ذكر ذهابا به إلى « الْجِنَّةِ » ، وقيل : المراد به المجموع منهما ، إليه نحا ابن عباس كقوله عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 2 » ، وقيل : إشارة إلى ما بعده من قوله : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ » ، ففي الكلام تقديم وتأخير ، وهو قول مرجوح ، لأن الأصل عدم ذلك . وقوله : أَجْمَعِينَ تأكيد ، والأكثر أن يسبق

--> ( 1 ) البيت في الخصائص ( 3 / 49 ، وقد تقدم وانظر المحتسب ( 1 / 170 ) ، مجالس ثعلب ( 1 / 60 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 68 ) ، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ( 1 / 244 ) ، أمالي المرتضى ( 1 / 145 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : ( 68 ) .